فخر الدين الرازي
138
تفسير الرازي
عليه وسلم بذلك ، وهو المرتبة المتقدمة ، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة ، فقال : * ( والمؤمنون كل آمن بالله ) * ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور ، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) * فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى ، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين ، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة ، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام . فأما قوله * ( والمؤمنون ) * ففيه احتمالان أحدهما : أن يتم الكلام عند قوله * ( والمؤمنون ) * فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله * ( كل آمن بالله ) * والمعنى : كل واحد من المذكورين فيما تقدم ، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله . الاحتمال الثاني : أن يتم الكلام عند قوله * ( بما أنزل إليه من ربه ) * ثم يبتدئ من قوله * ( والمؤمنون كل آمن بالله ) * ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه ، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمناً بربه ، ثم صار مؤمناً به ، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال ، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه ، كما قال : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) * ( الشورى : 52 ) وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال ، فقد كان حاصلاً منذ خلقه الله من أول الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال : إني عبد الله آتاني الكتاب ، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله حين كان طفلاً ، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عارفاً بربه من أول ما خلق كامل العقل . المسألة الثالثة : دلّت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خص الرسول بذلك ، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاماً